النويري

126

نهاية الأرب في فنون الأدب

رجالهم ، وسبى ذراريّهم ، فقال له : إنّ وجعك وما بليت به من هذا . اعلم أن صاحب هذا البيت قوىّ يعلم الأسرار ، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أذى هذا البيت ولك خير الدنيا والآخرة ، قال الملك : أفعل ، قد أخرجت من قلبي جميع المكروهات ، ونويت جميع الخيرات ، فلم يخرج العالم من عنده حتى برئ من علَّته ، وعافاه اللَّه بقدرته ، فآمن باللَّه من ساعته ، وخرج من منزله صحيحا على دين إبراهيم عليه السلام ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب ، وهو أوّل من كسا الكعبة ، ودعا أهل مكة ، وأمرهم بحفظ الكعبة ، وخرج إلى يثرب ، وهى يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت مبنىّ ولا بناء ، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ، ومعهم رئيسهم عماريشا الذي كان يرى برأيه . ثم إن العلماء والحكماء اجتمعوا ، وكانوا أربعة آلاف ، فأخرجوا من بينهم أربعمائة هم أعلمهم ، وبايع كلّ واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإن ضربهم الملك أو قتلهم ، فلما علم الملك ما قد عزموا عليه ، قال للوزير : ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي ، وأنا محتاج إليهم ؟ وأىّ حكمة في نزولهم في هذا المكان ، واختيارهم إياه على سائر النّواحى ، فلما أتاهم الوزير وسألهم عما عزموا عليه ، واختيارهم المقام بهذه البقعة ، قالوا له : أيها الوزر ! إن شرف ذلك البيت ، وشرف هذه البقعة التي نحن فيها بشرف رجل يبعث في آخر الزمان ، يقال له محمد ووصفوه ، ثم قالوا : طوبى لمن أدركه وآمن به ، وقد كنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا ، فلما سمع الوزير مقالتهم همّ بالمقام معهم ، فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا ، فقالوا : لا نفعل ، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا ، فدعا الوزير فأخبره بما سمع منهم ، فتفكَّر الملك وهمّ أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمدا صلى اللَّه عليه وسلم ، فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار ، لكل رجل من العلماء